"العشم" تلك المفردة المصرية الأصيلة التي لا تجد لها ترجمة دقيقة في لغات أخرى، فهي مزيج بين المحبة، الثقة، والدلال. هو شعور دافئ يخبرك أنك تملك رصيداً في قلب الآخر يسمح لك بتجاوز الرسميات. لكن في زماننا هذا، تحول "العشم" من جسر للمودة إلى فخ للمستحيل، وأصبح السؤال الملحّ: متى ينتهي العشم وتبدأ حماية الذات؟
مفهوم العشم بين الأمس واليوم
قديماً، كان العشم يعبر عن "وحدة المصير" في المجتمعات الصغيرة؛ الجار يعشم في جاره، والقريب يسند قريبه، وكانت الحياة تحتمل هذا التدفق العاطفي والمادي لأن الضغوط كانت أقل والنفوس أكثر رحابة.
أما اليوم، فنحن نعيش في "الزمن المكلف"؛ مكلف مادياً حيث تستهلك لقمة العيش طاقة الإنسان، ومكلف نفسياً حيث يصارع كل فرد ليبقى متوازناً وسط ضجيج الحياة. هنا، لم يعد العشم مجرد رغبة في القرب، بل أصبح أحياناً "حِملاً" إضافياً يطلبه البعض من أشخاص هم أنفسهم يبحثون عمن يحمل عنهم.
إلى أي مدى يجب أن يتوقف العشم؟
يجب أن يتوقف العشم فوراً عندما يبدأ في التحول إلى "حق مكتسب" أو "استنزاف". إليك الحدود الفاصلة:
1. تجاوز الخصوصية والمساحات الشخصية
العشم لا يعني اقتحام شؤون الآخرين أو التدخل في قراراتهم المصيرية بحجة "أنا خائف عليك". عندما يبدأ العشم في كسر باب الخصوصية، يجب وضع لافتة "ممنوع الدخول".
2. التكلفة المادية والجهد البدني
في زماننا الصعب، يجب أن يراعي العشم ظروف الآخرين. أن تعشم في صديق ليقرضك مالاً وهو يمر بضائقة، أو تعشم في قريب ليقضي لك مصلحة تستهلك يومه وعمله، هو في الحقيقة "أنانية" مغلفة بكلمات طيبة.
3. غياب التقدير (الامتنان)
أكبر خطيئة يرتكبها "العشم" هي قتل كلمة "شكراً". عندما يشعر الشخص أن عطاءه صار واجباً مفروضاً بفضل العشم، يبدأ الشعور بالحنق. العشم يجب أن يتوقف عندما يتوقف الطرف الآخر عن رؤية فضلك عليه.
العشم في "الزمن المكلف"
الحقيقة المرة أننا في عصر السرعة والماديات، أصبح "رصيد العشم" ينفد بسرعة. الإنسان المعاصر مجهد، ولن يستطيع أن يمنحك من وقته أو ماله أو أعصابه إلا إذا كان هو نفسه في حالة شبع.
القاعدة الذهبية: "عامل الناس بالعشم الذي لا يكسرهم، ولا تنتظر منهم عشماً قد يخذلك."
كيف نحافظ على علاقتنا دون "انفجار" العشم؟
- الصراحة المريحة: تعلم أن تقول "لا" بلطف عندما يتجاوز عشم أحدهم طاقتك، فـ "خسارة العشم" أهون بكثير من "خسارة الشخص" تحت ضغط الكبت.
- خفّض سقف التوقعات: لا تعشم في الناس لدرجة أن يقتلك غيابهم أو تقصيرهم. اجعل "العشم" مكافأة للعلاقة وليس أساساً تقوم عليه.
- مراعاة التوقيت: العشم ذكاء، ومن الذكاء ألا تطلب الدعم في وقت يعاني فيه الطرف الآخر من الانهيار.
ختاماً..
العشم جميل طالما بقي ملحاً يطيب العلاقات، لكنه حين يزيد، يحول تلك العلاقات إلى مادة سامة تحرق القلوب. في زماننا هذا، أعظم أنواع العشم هو أن "تعشم في نفسك" أن تكون سنداً لذاتك، وتترك للآخرين مساحتهم ليتنفسوا بعيداً عن أعباء توقعاتك، اعني أن العشم عادة مصرية يجب أن تتوقف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق